النووي
270
المجموع
ونحن نعلم أن كلهم كذبة إلا واحدة بغير عينه ، فرد عليه ابن داود فقال : كما لو ادعاها عشرة وأقام كل واحد منهم بينة عليها ، قسمتها بينهم ، وان صدق جميعهم مستحيلا ، كذلك إذا وصفوها كلهم . والجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أن كذب المدعى أسقط الدعوى من كذب الشهود ، ألا ترى أن إكذاب المدعى لنفسه مبطل للدعوى وإكذاب الشهود لأنفسهم غير مبطل للدعوى . والثاني أن البينة هي أقصى ما يقدر عليه المدعى وأقوى ما يحكم به الحاكم ، فدعت ضرورة الحاكم في البينة إلى ما لم يدعه من الصفة . وأما الجواب عن قولهم : اعرف عفاصها ووكاءها فهو أن ذلك منه لا لدفعها بصفة العفاص والوكاء ووجوب رده معه ، ولكن لمعان هي أخص بمقصود اللقط ، منها أن بينته بحفظ العفاص والوكاء ووجوب رده مع قلته ونزارته على حفظ ما فيه ووجوده مع كثرته . ومنها أن يتميز بذلك عن ماله ومنها جواز دفعها بالصفة ، وإن لم يجب ، وعلى هذا المعنى نحمل حديث سويد بن غفلة الذي جعلوه نصا . وأما استدلالهم فنحن ما جعلنا الامارة على الصدق حجة في قبول الدعوى وإنما جعلنا الايمان بعدها حجة ، وأما استدلالهم بأن البينات في الأصول مختلفة فصحيح ، وليس في جميعها بينة تكون بمجرد الصفة ، ولا يكون تعذر البينة موجبا أن تكون الصفة بينه . الا ترى أن السارق تتعذر إقامة البينة عليه ، ولا يكون صفة ما بيده لمدعى سرقته حجة . فإذا ثبت أن دفعها بالصفة لا يجب فدفعها بالصفة وسعه ذلك إذا لم يقع في نفسه كذبه ، فان أقام غيره البينة عليها بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين كان مقيم البينة أحق بها من الآخذ لها بالصفة ، فإن كانت باقية في يد الواصف انتزعت منه لمقيم البينة ، وإن كان قد استهلكها نظر في الدافع لها فإن كان قد دفعها بحكم حاكم فصاحب البينة الخيار في الرجوع بغرمها على الآخذ لها بالصفة ، وإن كان قد دفعها بغير حكم حاكم فصاحب البينة الخيار في الرجوع